محمود محمود الغراب
62
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
السماع في ذلك : النفس طالع من المقام الأعلى كنى عنه بالصبا ، والسؤال بالزمان لإحساسه به في عالم التركيب أثرا لا عينا لعلوها عن ذلك ، وكلما توالى السرى زادت المعارف ، فيمكن الشوق ، ويضاعف الوجد والبلوى ، ثم قال : لئن هتفت النفس الأبية العلوية في زمان قوة النور الأجلى ، صارخة على فنن الاعتدال الأكمل ، الذي نشأ الكامل عليه في أول أمره « 1 » ، وجعله زندا للدهن الذي به مادة بقاء الأنوار ، وما فيه من المنافع ، فيقول : للنفس الحرية كما يبكي الوليد من الولادة ، لأنها منها « 2 » ، فجاء بما يشير به من الألفاظ ، وكيف يكون جليدا فرع دعاه أصله إليه ، فأبدى ما لديه ، وقد زعموا - وهو حق - أن المحب إذا دنا من عالم الملك يمل ، وأن النأي البعيد عنه يريح من الألم الصحيح ، فهذا إنبأ عن أمر محقق ، فالتجلي هناك لا يتكرر ، والنعيم به مثله ، فلا ملل ، وقد تداوى المحبون بهما ، وقرب دار كل محب - حيث كان حبيبه - خير له من بعدها ، وكنى عن النفس بالورقاء ، كما كنّت الحكماء عنها بهذا الاسم . ( مسامرات / ح 1 ) مراتب الحب : اعلم أن الحب على ثلاث مراتب : إلهي وروحاني وطبيعي ، وما ثم حب غير هذا ، فالحب الإلهي هو حب اللّه لنا ، وحبنا اللّه أيضا قد يطلق عليه أنه إلهي ؛ والحب الروحاني هو الذي يسعى به في مرضاة المحبوب ، لا يبقى له مع محبوبه غرض ولا إرادة ، بل هو بحكم ما يراد به خاصة ؛ والحب الطبيعي هو الذي يطلب به نيل جميع أغراضه ، سواء سر ذلك المحبوب أو لم يسره ، وعلى هذا أكثر حب الناس اليوم . واعلم أن نسبة الحب إلينا ما هي نسبة الحب إلى اللّه تعالى ، فالحب المنسوب إلينا - من حيث ما تعطيه حقيقتنا - ينقسم قسمين : قسم يقال فيه حب روحاني ، والآخر حب طبيعي ، وحبنا اللّه تعالى بالحبين معا ، وهي مسألة صعبة التصور ، إذ ما كل نفس ترزق العلم بالأمور على ما هي عليه ، ولا ترزق الإيمان بها على وفق ما جاء من عند اللّه في أخباره عنه :
--> ( 1 ) يشير إلى قوله تعالى فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي * وإلى قوله تعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ( 2 ) يشير إلى أن النفس متولدة بين الروح المنفوخ والجسد المسوى .